ابن عجيبة

468

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فتعرف ما أسلفت من أعمالها ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ : إلى جزائه إياهم بما أسلفوا ، مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أي متولّى أمورهم على الحقيقة ، لا ما اتخذوه مولى بافترائهم ، وَضَلَّ أي : ضاع وغاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم تشفع لهم ، أو ما كانوا يدّعون أنها آلهة . الإشارة : من أحب شيئا كان عبدا له ، ومن عبد شيئا حشر معه . روى : أن الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء ، تنادى : أين أولادي وأحبابي ؟ ثم تذهب إلى جهنم فيذهبون معها . فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان ، ومن أحب مولاه ولم يحب معه شيئا سواه ، وقف موقف العز والتقريب في مواطن الإحسان . فهناك تفضح السرائر ، وتكشف الضمائر ، وتظهر مقامات الرجال ، ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق ، ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق . واللّه تعالى أعلم . ثم عرفهم من يستحق العبادة ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 31 إلى 33 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم : مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بإنزال الأمطار ، وإنبات الحبوب ، فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية ، أو من كل واحد منهما ؛ توسعة عليكم ، أو من السماء لأهل التوكل ، وَ من الْأَرْضِ لأهل الأسباب . وقل لهم أيضا : أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أي : من يستطيع خلقهما وتسويتهما ، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما ، وسرعة انفعالهما من أدنى شئ ، أو من أمرهما بيده ، إن شاء ذهب بهما ؟ وقل لهم أيضا : وَمَنْ يقدر أن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، فيخرج الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان ؟ وهكذا . وقل لهم أيضا : وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي : ومن يلي تدبير العالم ، من عرشه إلى فرشه ؟ وهو تعميم بعد تخصيص ، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ، لا محيص لهم عن الإقرار بسواه ؛ إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك ؛ لفرط وضوحه . فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ عقاب اللّه وغضبه ؟ بسبب إشراككم معه ما لا يشاركه في شئ من ذلك ، فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي : المتولى لهذه الأمور هو ربكم ، الذي يستحق أن تعبدوه ، الثابت ربوبيته ، لأنه هو